أبي بكر جابر الجزائري
175
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
وعلى موسى بإعطائه الكتاب ليكون هدى وبيانا لبني إسرائيل فهو متفضل أيضا على بني إسرائيل فله الحمد وله المنة . وقوله : جَعَلْناهُ أي الكتاب هُدىً أي بيانا لبني إسرائيل يهتدون إلى سبل الكمال والإسعاد وقوله : أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا أي آتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل من أجل ألا يتخذوا من غيري حفيظا لهم يشركونه بي بالتوكل عليه وتفويض أمرهم إليه ناسين لي وأنا ربهم وولي نعمتهم . وقوله تعالى : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ أي يا ذرية « 1 » من حملنا مع نوح اشكروني كما شكرني نوح على انجائي إياه في السفينة مع أصحابه فيها ، إنه أي نوحا كانَ عَبْداً « 2 » شَكُوراً فكونوا أنتم مثله فاشكروني بعبادتي ووحدوني ولا تتركوا طاعتي ولا تشركوا بي سواي وقوله تعالى وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً يخبر تعالى بأنه أعلم بني إسرائيل بقضائه فيهم وذلك في كتابهم التوراة أنهم يفسدون في الأرض بارتكاب المعاصي وغشيان الذنوب ، ويعلون في الأرض بالجراءة على اللّه وظلم الناس عُلُوًّا كَبِيراً أي عظيما . ولا بد أن ما قضاه واقع وقوله تعالى : فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما أي وقت المرة الأولى بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ « 3 » شَدِيدٍ أي قوة وبطش في الحرب شديد ، وتم هذا لما أفسدوا وظلموا بانتهاك حدود الشرع والإعراض عن طاعة اللّه تعالى حتى قتلوا نبيهم « أرميا » عليه السّلام وكان هذا على يد الطاغية جالوت فغزاهم من أرض الجزيرة ففعل بهم مع جيوشه ما أخبر تعالى به في قوله : فَجاسُوا « 4 » خِلالَ الدِّيارِ ذاهبين جائين قتلا وفتكا وإفسادا نقمة اللّه على بني إسرائيل لإفسادهم وبغيهم البغي العظيم . وقوله تعالى : وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا أي ما حصل لهم في المرة الأولى « 5 » من الخراب والدمار ومن
--> ( 1 ) قرئ ذرية بفتح الذال ، وقرئ ذرية بكسر الذال أيضا فهي إذا مثلثة واللفظ مشتق من الذرء ، الذي هو الخلق ، فيقال : ذرأ يذرأ ذرأ : إذا خلق وفي الآية تذكير بني إسرائيل بواجب الشكر أي اشكروا كما شكر نوح ، وفيها تعريض لهم بأنهم إذا لم يشكروا يؤخذوا كما أخذ قوم نوح . ( 2 ) أثنى تعالى على عبده نوح بكثرة الشكر لأنّ شكور : من صيغ المبالغة معناه كثير الشكر روي أنه كان إذا أكل قال الحمد للّه الذي أطعمني ، ولو شاء لأجاعني ، وإذا شرب قال : الحمد للّه الذي أرواني ولو شاء لأظمأني ، وإذا اكتسى قال : الحمد للّه الذي كساني ولو شاء لأعراني . ( 3 ) قال : عِباداً لَنا ولم يقل : عبادي لأنهم أهل كفر وشرك وفسق فلم يشرفهم بالإضافة إليه ووصفهم بأنهم من ملكه فسخّرهم لتأديب عباده الذين فسقوا عن أمره وخرجوا عن طاعته . ( 4 ) الجوس : وهو مصدر جاس يجوس جوسا معناه : التخلل في البلاد وطرقها ذهابا وإيابا لتتبع ما فيها ، والمراد به تتبع المقاتلة لقتالهم . ( 5 ) في هذه الآيات ذكر مجمل لتاريخ بني إسرائيل بدءا من دولة يوشع بن نون بعد فتحه لبلاد القدس ، وطرد العمالقة منها ، وإقامة دولة فيها لأوّل مرة وختاما بطردهم على أيدي الرومان وذلك سنة مائة وخمس وثلاثين بعد ميلاد عيسى عليه السّلام ، وقسمت الآيات هذا التاريخ قسمين معبّرة عنه بالمرتين : الأولى بدءا من دولة يوشع بن نون واستمرّت إلى أن عاثوا في الأرض وفسدوا -